أحمد مصطفى المراغي
52
تفسير المراغي
تشهد على أصحابها ، وقد أجل اللّه عقابهم إلى هذا اليوم حلما منه وثقة بقدرته عليهم ، فهو لا يعجّل عقوبة من عصاه كما جاء في الصحيحين « إن اللّه ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته » ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ( وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) و في الصحيحين أيضا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « لا أحد أصبر على أذى سمعه من اللّه - إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم » . ثم عجب ربنا من قوة سمع الكفار وحذّة أبصارهم يوم القيامة وقد كانوا على الضد من هذا في الدنيا فقال : ( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) أي لئن كان هؤلاء الكفار الذين جعلوا للّه أندادا وزعموا أن له ولدا - عميا في الدنيا عن إبصار الحق والنظر إلى حجج اللّه التي أودعها في الكون دالة على وحدانيته وعظيم قدرته وبديع حكمته ، صما عن سماع آي كتبه وما دعتهم إليه الرسل مما ينفعهم في دينهم ودنياهم ويهديهم إلى الصراط المستقيم - فما أسمعهم يوم قدومهم على ربهم في الآخرة ، وما أبصرهم حينئذ ، حيث لا يجدى السماع والإبصار شيئا ، ويعضّون على أناملهم حسرة وأسفا ، ويتمنون على اللّه الأماني ، فيودون الرجوع إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم من صالح العمل ، ولكن هيهات هيهات فقد فات الأوان . صاح هل ريت أو سمعت براع * ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب ومن ثم لا يجاب لهم طلب ، بل يقال لكل أفاك أثيم « خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ . ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ . إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ » . ثم أمر سبحانه نبيه أن ينذر قومه والمشركين جميعا فقال : ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) أي وأنذر الناس جميعا يوم يتحسر الظالمون على ما فرّطوا في جنب اللّه حين فرغ من الحساب ، وذهب